عبد الوهاب الشعراني
18
الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية
له بكلام أهل الطريق ويضعفه ، وما للسالك مع الهالك . وكان يقول : لا يتعذر عليك أيها المريد العمل بما أمرك به أستاذك إلا لعدم كمال قبولك لذلك ، ونقص استعدادك ، وإنما كلمك أستاذك بذلك ليرقي همتك إلى ما هو أرقى مما أنت فيه . وكان يقول : لا تطالب أستاذك بشيء ولا بالجواب عن شيء سألته فيه ، وليس ذلك من شأن المريد الصادق مع شيخه . وكان يقول : مهما رأيته من شيخك من كمال أو نقص فهو صنعة باطنك ، ولشيخك في نفسه مقام آخر فوق ذلك فإياك أن تظن نقصانا بأهل الكمال فتقول : « وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ » بل اعرف ان ذلك إنما كان تعليما لك كيف تتدارى إذا وقعت في الذنب ، وتغيرت أحوالك بالكدورة بعد الصفاء . وكان يقول : من شأن المريد الصادق أن يكون أصدق الناس إلى امتثال أمر شيخه ، فإن كان لم يبادر إلى امتثال أمر شيخه فهو دليل على عدم صدقه ، وصدقه على قدر تخلقه في الأوائل أو الأواخر ، ومن هنا كان الإمام أبو بكر أسبق إلى تصديق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سائر قريش ، لكونه كان أضعف قريش رابطة فيما كانوا عليه مما تضاد طريق الهدى ، وأقواهم رابطة فيما يقرب من طريق الهدى . وكان يقول : من أحب من المريدين أن يكون في حفظ رب العالمين فليخدم شيخه بصدق ، ويبادر إلى طاعته ، ولا يخالفه فيما يشيره عليه ، قال تعالى : « وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ، وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ » فانظر كيف حفظ اللّه الشياطين لما كانوا في خدمة أوليائه الصادقين وتحت طاعتهم . وكان يقول : ما دام المريد تحت حكم أستاذه فترقيه دائم ، فإن خرج عن حكمه ولو اعتمادا على ما حصله منه قبل ذلك من الأقوال والأفعال هلك مع الهالكين ، كمثل الحجر المرفوع إلى نحو السماء تراه يرتفع ما دامت القوة الرافعة تمده وتصاحبه ، ومتى فترت عليه القوة الرافعة انحط إلى الأرض ، والقوة هي نظر أستاذك إليك فافهم تغنم . وكان سيدي أبو الحسن الشاذلي رحمه اللّه يربي أولاده بالنظر من غير كلام ، ويقول : إن السلحفاة تربي أولادها بالنظر وكل من توارى عليها من أولادها هلك ، فنحن أولى بذلك من السلحفاة .